الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
569
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
كلّف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه ، وهو ان يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه ، ولم يكلفوا الإحاطة بصفته كما أن الملك لا يكلّف رعيته ان يعلمها أطويل هو أم قصير وأبيض هو أم أسمر ، وانما يكلّفهم الاذعان لسلطانه والانتهاء إلى أمره ، ألا ترى لو أن رجلا أتى باب الملك فقال : اعرض على نفسك حتى اتقصّى معرفتك ، وإلّا لم أسمع لك كان قد أحل نفسه بالعقوبة ، فكذا القائل انهّ لا يقرّ بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه يكون متعرّضا لسخطه - فان قالوا أو ليس قد نصفه فنقول : هو العزيز الحكيم ، الجواد الكريم ، قيل لهم كلّ هذه صفات إقرار وليست صفات إحاطة فانّا نعلم انهّ حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه ، وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته كما قد نرى السماء فلا ندري ما جوهرها ونرى البحر ولا ندري اين منتهاه . وعن أبي عبد اللّه عليه السّلام يا ابن آدم لو أكل قبلك طائر لم يشبعه ، وبصرك لو وضع عليه خرق أبر لغطاّه تريد أن تعرف بهما ملكوت السماوات والأرض ، فان كنت صادقا فهذه الشمس خلق من خلق اللّه فان قدرت ان تملأ عينيك منها فهو كما تقول . وعن أبي جعفر عليه السّلام في قوله : وَمَنْ كانَ فِي هذهِِ أَعْمى . . . ( 1 ) - أي لم يدله خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، ودوران الفلك والشمس والقمر والآيات العجيبات على أن وراء ذلك أمرا أعظم منه فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا » . « ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق » الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ
--> ( 1 ) الاسراء : 72 .